حسن الأمين
173
مستدركات أعيان الشيعة
البحرية ، لكنه إذا عرض لغير هذه الموضوعات ، جاء قوله متصنعا متكلفا ، وقد وصف النجوم في قصيدته التي مطلعها : أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا وبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا ولم يسمع في وصف النجوم أحسن من قصيدته هذه وهذا الشعر وان جمع من التشبيهات ما لم يجمعه غيره فإنك لا تجد فيه من حلاوة اللفظ وسهولة الحفظ ( 1 ) ما تجده في غيره . وهذا مقياس نقدي مقبول إذا ما أردنا أن نعرف جمال القصيدة من حيث المعنى والمبنى . لقد وصف أن هاني الخيل ، هذه الأعوجيات التي إذا ما ركضت بدت طائرة أو سابحة ، وتبقى سابقة في ركضها ، فهي جرد عناجيج ، وأجمل ما قال في وصف الخيل ، هي قصيدته التي يمدح فيها الخليفة ، ويتحدث عن هدية جوهر له ، وفيها الكثير من الخيل التي كأنها الغانيات تسير بزهو وكبرياء ، ثم هي مكحولة المدامع ، تنظر بمقلة أحوى وفيها يقول : ألا هكذا فلتجلب العيس بدنا الا هكذا فلتجنب الخيل ضمرا مرفلة يسحبن أذيال يمنة ويركض ديباجا ووشيا محبرا نراهن أمثال الظباء عواطيا لبسن بيبرين الربيع المنورا يمشين مشي الغانيات تهاديا عليهن زي الغانيات مشهرا وجررن أذيال الحسان سوابغا فعلمن فيهن الحسان تبخترا ترى كل مكحول المدامع ناظرا بمقلة أخرى ينفض الضال أحورا ويتحدث بعد ذلك عن ألوانها المختلفة ، إذ أن منها ما هو أبلق أو ورد أو أشقر ، ومنها الكميت والأدهم ، إلى غير ذلك من ألوان ، ويتحدث بعد هذا عن شعوره أمام هذه الجياد الجميلة ، الحسنة الخلق ، التامة التكوين ، وإذا به يعترف قائلا : يقر بعيني أن أرى من صفاتها ولا عجب أن يعجب العين ما ترى أرى صورا يستعبد النفس مثلها إذا وجدته أو رأته مصورا أفكه منها الطرف في كل شاهد بان دليل الله في كل ما برا فاخلس منها اللحظ كل مطهم ألذ إلى عين المسهد من كرى ويعجبه منظر الخيل وقد أعدت للركوب وهيئت للقتال فتطرب نفسه وتتفاعل مشاعره وإذا بلسانه يقول : والخيل تمرح في الشكيم كأنها عقبان صارة شاقها الأوكار من كل يعبوب سبوح سلهب حص السياط عنانه الطيار لا يطبيه غير كبة معرك أو هبوة من ماقط ومغار سلط السنابك باللجين مخدم وأذيب منه على الأديم نضار ويتطلع إلى وفرته فإذا هي غدائر غادة جميلة لم تهمل شعرها ، ولم يمسها بؤس ولا إقتار : وكان وفرته غدائر غادة لم يلقها بؤس ولا إقتار ويراها تركض ، فيتساءل عن هذا الركض ونوعه لأنه يظن أنها تطير ، مرت لغايتها فلا والله ما علقت بها في عدوها الأبصار وجرت فقلت أسابح أم طائر هلا استثار لوقعهن غبار وهل من غرابة في ذلك وهي : من آل أعوج والصريح وداحس فيهن منها ميسم ونجار ونقرأ له هذه الأبيات فنحس كأنه متيم بهذه الجياد : من كل يعبوب يحيد فلا ترى الا قذالا ساميا وتليلا وكان بين عنانه ولبانه رشا يريع إلى الكناس خذولا لو تشرئب له عقيلة ربرب ظنته جؤذر رملها المكحولا تتنزل الأروى على صهواته ويبيت في وكر العقاب نزيلا يهوى بأم الخشف بين فروجه ويقيد الإدمانة المطبولا وكثيرا ما يأتي الشاعر بمبالغات فيها شيء من الإغراق القوي في القول ، كقوله : وأجل علم البرق فيها أنها مرت بجانحتيه وهي ظنون وهو بحكم كونه شاعر المعز ، رأي الجيش يعده المعز ، ويزجيه كثيفا ، حتى كأنه موكل بقضاء الله ، وهذه الفتية الشيعية التي نذرت نفسها لله ، وآل بيت رسول الله ، تعلو صهوات هذه الجياد الجميلة ، وقد تقلدت سيوفها ، وأشرعت رماحها ، ووطدت نفسها على الحرب والجهاد ، في سبيل العقيدة . يرى ابن هاني كل هذا ويروقه المنظر فيقول : عليها المغاوير في السابغات ترفرف مثل متون الأضا حتوف تلهى بأمثالها وأسد تغذ بأسد الشري تبختر في عصفر من دم وتخطر في لبد من قنا ويرى الأعادي سيوف هؤلاء فيتوهمونها سرجا أو نارا تصطلي : وقال الأعادي أأسيافهم أم النار مضرمة تصطلى رأوا سرجا ثم لم يعلموا أهندية قضب أم لظى ومنتقدات تذيب الشليل من فوق لابسه في الوغى من اللاء تأكل أغمادها وتلفح منهن جمر الغضا أو يقول عن هؤلاء الشباب الذين علوا متن خيولهم : وعلى مطاها فتية شيعية ما أن لها إلا الولاء شعار من كل أغلب باسل متخمط كالليث فهو لقرنه هصار قلق إلى يوم الهياج مغامر دم كل قيل في ظباه جبار أن تخب نار الحرب فهو بفتكه ميقادها مضرامها المغوار فاداته فضفاضة وتريكة ومهند ومثقف بتار أسد إذا زأرت وجار ثعالب ما أن لها إلا القلوب وجار وإذا ما عرض للأسطول وصفه بقطعه الكثيرة وقد نشرت أعلامه ، وراح يمخر عباب البحر ليلقى العدو : مؤاخر في طامي العباب كأنه لعزمك بأس أو لكفك جود أنافت بها أعلامها وسما لها بناء على غير العراء مشيد من الراسيات الشم لولا انتقالها فمنها قنان شمخ وريود من الطير إلا أنهن جوارح فليس لها إلا النفوس مصيد من القادحات النار تضرم للصلى فليس لها يوم اللقاء خمود إذا زفرت غيظا ترامت بمارج كما شب من نار الجحيم وقود فانفاسهن الحاميات صواعق وأفواههن الزافرات حديد
--> ( 1 ) ابن سعيد المغربي - رايات المبرزين وأخبار المميزين ص 55 .